مجمع البحوث الاسلامية
346
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
روحانيّة النّورانيّة ، ثمّ علم أنّ هذا اللّبّ النّورانيّ أيضا قشر . . . فعبر عن القشر الرّوحانيّ أيضا ، ووصل إلى لبّه الّذي هو محبوب الحقّ ومحبّه ، فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه عرف ربّه . وقال بعضهم : الوصف بالظّلوميّة والجهوليّة إنّما يليق بمن خان في الأمانة ، وقصر عن حقّها ، لا بمن يتحمّلها ويقبلها ، فمعنى حَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي خانها . وللطّباطبائيّ كلام طويل في هذه الآية يظهر منه أنّها مدح من جهة وذمّ من جهة ، وكذا لغيره . فلا حظ النّصوص ، وقد تقدّم معنى الأمانة في « أم ن » ذيل الآية خلال النّصوص والاستعمال القرآنيّ . 5 - والّذي نختاره في معنى الآية - واللّه أعلم - أنّ اللّه اختار من بين المخلوقات نوع الإنسان لأمانته ، وهي دينه وتكاليفه ، لكونه - بما فيه من العقل والاختيار - أهلا لها فكلّفه ولم يكلّف السّماوات والأرض والجبال ونحوها ، لعدم أهليّتها للتّكليف . فالآية إلى حَمَلَهَا الْإِنْسانُ مدح للإنسان أيّ مدح . ثمّ بدأ ذمّه بحسب غلبة الظّلم والجهل على كثير من أفراده ، فقال : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . وليس هذا تعقيبا على وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، وإنّما هو تعقيب على محذوف ، وتقديره : وحملها الإنسان فلم يحسن حملها ، ولم يؤدّها على وجهها ، لغلبة رذيلتي الظّلم والجهل على أكثر أفراده ، كما قال : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الأعراف : 187 . وبذلك ظهر أنّ الوصفين يحكيان طبيعة الإنسان - ككثير غيرها - ولا يحتاجان إلى متعلّق - مثل « الجاهلين » في غيرها - كما نرى إصرار المفسّرين على تقدير متعلّق لهما . ثالثا : جاءت ( الجاهليّة ) 4 مرّات بلام التّعريف للعهد الذّهنيّ ، فإنّ الإسلام اعتبر فترة ما قبله جاهليّة ، لغلبة السّفاهة والجهالة على النّاس ، ولا سيّما العرب يوم ذاك ، والسّفاهة لا تفارق الجهل - ضدّ العلم - غالبا فقد غلب على أهلها السّفاهة والجهالة معا ، وبدأ الإسلام بإيقاظ العقول ونشر العلم بينهم ، كما جاء ذكره في الآيات من أوّل سورتي العلق والقلم - براعة للاستهلال - وهما الأوليين نزولا من بين السّور ، حسب ما جاء في روايات ترتيب النّزول . فدور الإسلام دور العقل والعلم ، وقبله دور السّفاهة والجهالة . وقد أضيفت في الآيات إلى ( الجاهليّة ) أربع خصال كأنّها من مميّزاتها : ظنّ الجاهليّة ، حكم الجاهليّة ، تبرّج الجاهليّة ، حميّة الجاهليّة ، وإليك التّفصيل : 1 - « ظنّ الجاهليّة » جاء فيما خطر بقلوب جماعة من المؤمنين بعد انكسارهم في « غزوة أحد » من الشّكّ في صدق النّبيّ ووعد اللّه ، وهذا كان دأب أهل الجاهليّة المشركين ، فسياق الآيات قبلها وبعدها هو إدانتهم على ضعف إيمانهم ، وتسرّع الرّيب إلى قلوبهم فندّد بهم أوّلا بأنّهم يظنّون باللّه ، وهو بنفسه توهّم باطل وسوء ظنّ باللّه ، ثمّ أكّده بأنّه ظنّ غير الحقّ ، أي ظنّ باطل وكاذب ، ثمّ شدّده بأنّه ظنّ الجاهليّة . وما بعدها : يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ آل عمران : 154 بيان وتفسير لهذا الظّنّ إبانة لقبحه . ونظيرها : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ